القرطبي
401
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
الحديث بطوله ، وفي آخره قال : فأخبرني عن الجدال أمن ولد آدم هو أم من ولد إبليس ؟ قال : « هو من ولد آدم لا أنه من ولد إبليس ، وأنه على دينكم معشر اليهود » وذكر الحديث . وقيل : إنه لم يولد بعد . وسيولد في آخر الزمان ، والأول أصح لما ذكرنا ، وباللّه توفيقنا . وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في أن الدجال ابن صياد ، واللّه أعلم « 1 » . فصل قال أبو سليمان الخطابي : وقد اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافا كثيرا وأشكل أمره حتى قيل فيه كل قول ، وقد يسأل عن هذا فيقال : كيف يقارّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من يدّعي النبوة كاذبا ويتركه بالمدينة يساكنه في داره ويجاوره فيها ، وما وجه امتحانه إياه بما خبأ له من آية الدخان ، وقوله بعد ذلك ؛ اخسأ فلن تعدو قدرك ؟ ! قال أبو سليمان : والذي عندي أن هذه القضية إنما جرت معه أيام مهادنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اليهود وحلفاءهم ، وذلك أنه بعد مقدمه المدينة كتب بينه وبينهم كتابا وصالحهم فيه على أن لا يهاجروا وأن يتركوا على أمرهم ، وكان ابن صياد منهم أو دخيلا في جملتهم ، وكان يبلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبره وما يدعيه من الكهانة ويتعاطاه من الغيب فامتحنوه بذلك ليروا آية أمره ، فلما كلمه علم أنه معطل وأنه من جملة السحرة والكهنة يأتيه ربيب من الجن أو يتعاهده شيطان فيلقى على لسانه بعض ما يتكلم به ، فلما سمع منه قول الدخ زجره وقال : اخسأ ولن تعدو قدرك ، يريد أن ذلك شيء ألقاه إليه الشيطان ، وأجراه على لسانه ، وليس ذلك من قبل الوحي ، إذ لم يكن له قدر الأنبياء الذين يوحى إليهم علم الغيب ولا درجة الأولياء الذين يلهمون العلم ويصيبون بنور قلوبهم الحق ، وإنما كانت له تارات يصيب في بعضها ويخطئ في بعض ، وذلك معنى قوله : يأتيني صادق وكاذب ، فقال له عند ذلك : خلط عليك . والحكمة في أمره أنه كان فتنة امتحن اللّه بها عباده المؤمنين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة ، وقد امتحن اللّه قوم موسى في زمانه بالعجل فافتتن به قوم وهلكوا ، ونجا من هداه اللّه وعصمه منهم .
--> ( 1 ) انظر « أشراط الساعة » ليوسف الوابل ص 289 .